ابن أبي أصيبعة

523

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال القاضي أبو مروان الباجي وكان المنصور قد قصد أن لا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة باقيا في بلاده وأباد كثيرا منها بإحراقها بالنار وشدد في أن لا يبقى أحد يشتغل بشيء منها وأنه متى وجد أحد ينظر في هذا العلم أو وجد عنده شيء من الكتب المصنفة فيه فإنه يلحقه ضرر عظيم ولما شرع في ذلك جعل أمره مفوضا إلى الحفيد أبي بكر بن زهر وأنه الذي ينظر إليه وأراد الخليفة أنه إن كان عند ابن زهر شيء من كتب المنطق والحكمة لم يظهر ولا يقال عنه أنه يشتغل بها ولا يناله مكروه بسببها ولما نظر ابن زهر في ذلك وامتثل أمر المنصور في جمع الكتب من عند الكتبيين وغيرهم وأن لا يبقى شيء منها وإهانة المشتغلين بها وكان بأشبيلية رجل من أعيانها يعادي الحفيد أبا بكر بن زهر ويحسده وعنده شر فعمل محضرا في أن ابن زهر دائم الاشتغال بهذا الفن والنظر فيه وأن عنده في داره شيئا كثيرا من كتبه وجمع فيه شهادات عدة وبعث به إلى المنصور وكان المنصور حينئذ في حصن الفرح وهو موضع بناه قريبا من أشبيلية على ميلين منها صحيح الهواء بحيث بقيت الحنطة في ثمانين سنة لم تتغير لصحته وكان أبو بكر بن زهر هو الذي أشار على المنصور أن يبنيه في ذلك الموضع ويقيم فيه في بعض الأوقات فلما كان المنصور به وقد أتاه المحضر نظره ثم أمر بأن يقبض على الذي عمله وأن يودع السجن ففعل به ذلك وانهزم جميع الشهود الذين وضعوا خطوطهم فيه ثم قال المنصور إنني لم أول ابن زهر في هذا إلا حتى لا ينسبه أحد إلى شيء منه ولا يقال عنه ووالله لو أن جميع أهل الأندلس وقفوا قدامي وشهدوا على ابن زهر بما في هذا المحضر لم أقبل قولهم لما أعرفه في ابن زهر من متانة دينه وعقله وحدثني أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الإشبيلي قال كان الحفيد أبو بكر بن زهر قد أتى إليه من الطلبة اثنان ليشتغلا عليه بصناعة الطب فترددا إليه ولازماه مدة وقرآ عليه شيئا من كتب الطب ثم أنهما أتياه يوما وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق وكان يحضر معهما أبو الحسين المعروف بالمصدوم وكان غرضهم أن يشتغلوا فيه فلما نظر ابن زهر إلى ذلك الكتاب قال ما هذا ثم أخذه ينظر فيه فلما وجده في علم المنطق رمى به ناحية ثم نهض إليهم حافيا ليضربهم وانهزموا قدامه وتبعهم يعدو على حالته تلك وهو يبالغ في شتمهم وهم يتعادون قدامه إلى أن رجع عنهم عن مسافة بعيدة فبقوا منقطعين عنه أياما لا يجسرون أن يأتوا إليه ثم أنهم توسلوا إلى أن حضروا عنده واعتذروا بأن ذلك الكتاب لم يكن لهم ولا لهم فيه غرض أصلا وأنهم إنما رأوه مع حدث في الطريق وهم قاصدون إليه فهزأوا بصاحبه وعبثوا به وأخذوا منه الكتاب قهرا وبقي معهم ودخلوا إليه وهم ساهمون عنه فتخادع لهم وقبل معذرتهم واستمروا في قراءتهم عليه صناعة الطب ولما كان بعد مديدة أمرهم أن يجيدوا حفظ القرآن وأن يشتغلوا بقراءة التفسير والحديث والفقه وأن يواظبوا على مراعاة الأمور الشرعية والاقتداء بها ولا يخلوا بشيء من ذلك فلما امتثلوا أمره وأتقنوا معرفة ما أشار به عليهم وصارت لهم مراعاة الأمور الشرعية سجية وعادة قد ألفوها كانوا يوما عنده وإذا به قد أخرج لهم الكتاب الذي كان رآه معهم في المنطق وقال لهم الآن